النسبوية قيمة بعد حداثية إبستمولوجيًّا وثقافيّا

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

أستاذ فلسفة العلوم ومناهج البحث - جامعة القاهرة.

المستخلص

لئن کان النقيض يُستبان بالنقيض؛ فإنه من سُبل المقاربة الفلسفية المثمرة الواعدة بشيء من الإحاطة، تلک المقاربة الجدلية للأطروحة ونقضها، للقضية والقضية المضادة، وللمفهوم في ضوء المفهوم المقابل. وبناءً على هذا تُطرَح النسبوية هاهنا من حيث هي سلب ونقض للمطلقية، لتکون بدورها تمثيلًا لقيم ما بعد الحداثة، من حيث کانت المطلقية بشکل ما تمثيلًا لمعايير الحداثة.. إبستمولوجيا وثقافيًا.
في الإبستمولوجيا العلمية الحداثية تمثلت وتجسدت المطلقية بشکل صريح مباشر متعين، وذلک في: الزمان المطلق والمکان المطلق والکتلة الثابتة کحدود للفيزياء النيوتونية، التي مثلت بدورها النموذج المطلق المؤمثل لنسق العلم الواحد والوحيد، العلم الموضوعي الحتمي اليقيني ذي القوانين الضرورية مطلقة الصدق، المُستبعِد لتأثير الذات العارفة وکأنها ترقبه بحياد مطلق من وراء ستار.
مع مطالع القرن العشرين بدأت النسبوية تشق طريقها إلى سويداء الإبستمولوجيا العلمية مع ثورة الفيزياء الکبري: ثورة الکوانتم بمتوالياتها والنظرية النسبية لآينشتين. هذه الثورة جعلت کل مطلق علمي أطلالًا دوارس، وانهارت تحت وطأتها الحتمية الميکانيکية والموضوعية المطلقة ودعاوي اليقين العلمي. دخلت الذات العارفة بمواقعها وسرعاتها وأدواتها للرصد کمتغير في معادلة الطبيعة، وکان هذا إيذانا بدخول النسبوية، من حيث کان محقًا للمطلقية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، انطلقت ثورة فلسفة العلم الکبرى، تحديدًا في العام 1962 عام ظهور کتاب توماس کون «بنية الثورات العلمية» الذي مثل منعطفًا حاسمًا في مسار فلسفة العلم انتقلت معه إلى رؤية بانورامية شاملة لظاهرة العلم، ليست کنسق مؤمثل منبت الصلة بما عداه، بل کما ينبغي لها تکون: فعالية إنسانية حميمة تتآزر في خلقها أبعاد شتى لا تقتصر على الأسس المنطقية والمنهجية، فثمة أيضًا العوامل السوسيولوجية والسيکولوجية والقيمية والحضارية والتخطيطية... إلخ. بعبارة موجزة: أنسنة الظاهرة العلمية. وکل ما هو إنساني لا مندوحة له عن النسبوية. بفعل ثورة توماس کون ونموذجه الإرشادي احتل مفهوم النسبوية موقعا مرموقا في ملحمة تفهم ظاهرة العلم وآليات تطورها الصاعد دومًا، لا سيما بعد أن لحق به مفهوم اللامقايسة. ولا ننسى في هذا الصدد الدور الإبستمولوجي الکبير لتحليلات ويلارد کواين الثاقبة التي مکنت للنسبوية. وقام بول فييرآبند بدوره المشهود في إذکاء حدة النسبوية واللامقايسية. ويمکن اعتبار فييرآبند رائد ما بعد الحداثة في فلسفة العلم والإبستمولوجيا العلمية. هذا فضلًا عن أن مايکل بولاني (1891- 1976) کان قد سبق وأرهص بمعالم ثورة توماس کون حين أکد على دور المعرفة الضمنية، وأن أي نسق معرفي، مهما کان صوريًّا، يحتوي على عناصر إنسانية لا صورية حميمة.
وتظل حرکية العلم والإبستمولوجيا العلمية أبلغ تمثيل لروح القرن العشرين وتوتراته. فلا تنفصل هذه المتغيرات الإبستمولوجية، عما کان يواکبها آنذاک، في النصف الثاني من القرن العشرين من إرهاصات ومقدمات الولوج إلى حقبتنا الراهنة حقبة ما بعد الحداثة التي تصادر على أن قيم الحداثة والتنوير من عقلانية شاملة ووضعية راسخة وواحدية مادية وحتمية ميکانيکية وعلمانية فجة .. قد استنفدت مقتضياتها، وباتت مستحقة للنقد تمهيدا لإغلاق دائرتها والصعود إلى مرحلة حضارية أرحب وأثرى وأکثر عدلًا، تتجاوز قصورات مرحلة الحداثة، فضلًا عن جرائمها المتمثلة في الاستعمار والسيطرة على الآخرين، وقهر ثقافات الشعوب الأخرى، وتدمير البيئة واستنفاد مواردها. ما بعد الحداثة تعني ما بعد الاستعمارية.. ما بعد المرکزية الغربية.. وما بعد الوضعية وما بعد التنويرية. کانت مطلقية العلم الغربي الحداثي النيوتوني هي التمثيل الإبستمولوجي العيني لمطلقية الحضارة الغربية کمثل أعلى واحد ووحيد للتقدم وکل ما عداها دوائر للجهالة والتخلف بقدر ابتعادها عن المرکز الغربي. انسحقت هذه المطلقية/المرکزية في عصر ما بعد الحداثة. وقد شهد مراکز حضارية وتجارب نهضوية عديدة مبهرة جديرة بالاحتذاء، في تعددية ثقافية تصنع تنوعا خلاقا. في القاموس الثقافي يمکن اعتبار المرکزية الغربية الاستعمارية کانت هي المطلق وما حل محلها من تعددية ثقافية بعد حداثية هو النسبوية.. التي تعني أن القيمة الماثلة والدرس الحضاري يکون بالنسبة لثقافة معنية.. تجاورها قيم ودرس حضاري بالنسبة لثقافة أخرى.. وکل الأطراف تتحاور معًا في عالمٍ ينبغي أن ينبذ المرکزية والتهميش؛ ليکون أکثر عدلًا وقبولًا للآخر، أکثر خصوبة وثراءً.
الإنسان هو الکائن القادر على صنع التقدم، کل مرحلة من مراحله استيعاب وتجاوز للمرحلة الأسبق؛ لتکون أکثر تقدمًا. فکانت ما بعد الحداثة تقدما وتجاوزًا لقصورات في الحداثة. وبفضل النسبوية المرتهنة بها، أو بالنصف الثاني من القرن العشرين وما تلاه، تأتت إبستمولوجيا علمية أکثر ثراءً وإنسانية، ونسيج ثقافي أکثر ثراءً وعدلًا، ولعلهما وجهان متکاملان أو على الأقل لا ينفصلان.
وفي هذا ليست النسبوية مطروحة هنا کمذهبية.. بل فقط کقيمة معيارية ضابطة، مجدية حقًا إبستمولوجيًّا وثقافيًا.